محمد سعيد رمضان البوطي

318

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

الأصنام الأخرى ، وهذا يدل على ما كنا قد ذكرناه من حرمة صنع التماثيل على اختلاف أنواعها وأشكالها ، وعلى حرمة اقتنائها مهما كانت أسباب ذلك « 125 » . * * * هذا ولنكتف بهذا الذي ذكرناه من خبر وفد ثقيف ، عن تفصيل ذكر أخبار الوفود الكثيرة الأخرى ، التي قدمت خلال هذا العام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لعدم تعلق غرض كبير في هذا المقام بذلك . غير أن مما ينبغي أن تعلمه ، أن هذه الوفود كانت في مجموعها تمثل فئتين : إحداهما فئة المشركين ، والثانية فئة أهل الكتاب . فأما المشركون ، فقد دخل عامتهم في الإسلام ، وما رجعت وفودهم إلا وهي تحمل مشعل الإيمان والتوحيد إلى قومها . وأما أهل الكتاب فقد بقي أكثرهم على ما هم عليه ، من اليهودية أو النصرانية . ولقد كان الوفد الذي جاء يمثل نصارى نجران مؤلفا من ستين رجلا ، ولقد لبثوا عنده صلّى اللّه عليه وسلم أياما يجادلهم ويجادلونه في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ووحدانية اللّه تعالى . وكان آخر ما عنده صلّى اللّه عليه وسلم لهم أن تلا عليهم قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ : تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ ، فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [ آل عمران 3 / 59 ، 60 ، 61 ] . فلما أبوا أن يقروا ، دعاهم إلى المباهلة « 126 » كما أمره اللّه بذلك ، وذهب عليه الصلاة والسلام فأقبل مشتملا على الحسن والحسين رضي اللّه عنهما في خميل له ، وفاطمة رضي اللّه عنها تمشي خلفه ، للمباهلة . فأبى رئيس وفدهم ، وهو شرحبيل بن وداعة ، المباهلة أيضا وحذر أصحابه من عاقبة ذلك عليهم . فأقبلوا إليه صلّى اللّه عليه وسلم يحكّمونه فيما دون كلّ من الإسلام والمباهلة ، وينزلون عند حكمه في ذلك . فصالحهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على الجزية وكتب لهم بذلك كتابا ، والتزم فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لهم - إن دفعوا الجزية المتفق عليها - أن لا تهدم لهم بيعة ، ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا - أي غدرا أو خيانة - أو يأكلوا الربا « 127 » * * *

--> ( 125 ) انظر ص 279 فما بعد من هذا الكتاب . ( 126 ) المباهلة : أي الدعوة إلى أن يبتهل كل طرف إلى اللّه أن يجعل لعنته على الطرف الكاذب . ( 127 ) رواه الحاكم والبيهقي في دلائل النبوة بتفصيل مطول ، وروى خبر المصالحة على الجزية ، أبو داود أيضا في كتاب الخراج ، باب أخذ الجزية ، وانظر قصة وفد نصارى نجران في تفسير ابن كثير : 1 / 368 ، 369